ابن الجوزي
546
كتاب ذم الهوى
قال : فعلام يجتمع هؤلاء ؟ قال : على خالتي ميلاء ماتت الساعة . فزفر زفرة خرّ منها ميتا . فدفن إلى جانب قبرها . أخبرتنا شهدة بنت أحمد ، قالت : أنبأنا أبو محمد بن السّراج ، قال : أنبأنا أبو عبد اللّه الحسين بن محمد بن طاهر الدّقّاق ، قال : أنبأنا الأمير أبو الحسن أحمد بن محمد بن المكتفي باللّه ، قال : حدثنا ابن دريد ، قال : أخبرني الرّياشيّ ، عن الأصمعي ، عن جبر بن حبيب ، قال : أقبلت من مكة أريد اليمامة ، فنزلت بحي من عامر ، فأكرموا مثواي ، فإذا فتى حسن الهيئة قد جاءني فسلم عليّ ، فقال : أين تريد أيها الراكب ؟ قلت : اليمامة . قال : أتأذن في صحبتك إلى اليمامة ؟ قلت : أحبّ مصحوب . فقام ، فما لبث أن جاء بناقة كأنها قلعة بيضاء وعليها أداة حسنة ، فأناخها قريبا من مبيتي وتوسّد ذراعها ، فلما هممت بالرحيل أيقظته ، فكأنه لم يكن نائما ، فقام فأصلح رحله ، فركب وركبت ، فقصّر عليّ يومي بصحبته ، وهو لا ينشدني إلا بيتا معجبا في الهوى ، فلما قربنا من اليمامة مال عن الطريق إلى أبيات قريبة منا ، ثم قال : هل أنت موف حقّ الصحبة ؟ قلت : أفعل . قال : مل معي . فملت معه ، فلما رآه أهل الصّرم ابتدروه وأظهروا السرور ، ثم قال : قوموا إن شئتم ، فصرنا إلى قبر حديث التطيين ، فألقى نفسه عليه ، وأنشأ يقول : لئن منعوني في حياتي زيارة * أحامي بها نفسا ترشّفها الحبّ فلن يمنعوني أن أجاور لحدها * فيجمع جسمينا التجاور والتّرب ثم أنّ أنّات فمات . فأقمت مع الفتيان حتى دفناه ، فسألت عنه ، فقالوا : ابن سيد هذا الغائط ، وهذه ابنة عمه ، وكان بها مغرما فماتت منذ ثلاث . فركبت واللّه وكأني قد ثكلت حميما . قال ابن دريد : وحدثنا السّكن بن سعيد ، عن العباس بن هشام ، عن أبيه ، عن